الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

251

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تجدهم بحالة لا تعجبك فهو تمهيد لقوله في آخر الآية فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ والظرفية المستفادة من ( في ) ظرفية حقيقية . ويجوز أن يتعلق بكلمة قَوْلُهُ أي كلامه عن شؤون الدنيا من محامد الوفاء في الحلف مع المسلمين والود للنبي ولا يقول شيئا في أمور الدين ، فهذا تنبيه على أنه لا يتظاهر بالإسلام فيراد بهذا الأخنس بن شريق . وحرف ( في ) على هذا الوجه للظرفية المجازية بمعنى عن والتقدير قوله : عن الحياة الدنيا . ومعنى يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ أنه يقرن حسن قوله وظاهر تودده بإشهاد اللّه تعالى على أن ما في قلبه مطابق لما في لفظه ، ومعنى إشهاد اللّه حلفه بأن اللّه يعلم إنه لصادق . وإنما أفاد ما في قلبه معنى المطابقة لقوله لأنه لما أشهد اللّه حين قال كلاما حلوا تعين أن يكون مدعيا أن قلبه كلسانه قال تعالى : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ [ التوبة : 62 ] ومعنى وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ أنه شديد الخصومة أي العداوة مشتق من لده يلده بفتح اللام لأنه من فعل ، تقول : لددت يا زيد بكسر الدال إذا خاصم ، فهو لاد ولدود فاللدد شدة الخصومة والألد الشديد الخصومة قال الحماسي ربيعة بن مقروم : وألدّ ذي حنق عليّ كأنّما * تغلي حرارة صدره في مرجل فألد صفة مشبهة وليس اسم تفضيل ، ألا ترى أن مؤنثه جاء على فعلاء فقالوا : لداء وجمعه جاء على فعل قال تعالى : وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا [ مريم : 97 ] وحينئذ ففي إضافته للخصام إشكال ؛ لأنه يصير معناه شديد الخصام من جهة الخصام فقال في « الكشاف » : إما أن تكون الإضافة على المبالغة فجعل الخصام ألد أي نزّل خصامه منزلة شخص له خصام فصارا شيئين فصحت الإضافة على طريقة المجاز العقلي ، كأنه قيل : خصامه شديد الخصام كما قالوا : جنّ جنونه وقالوا : جدّ جدّه ، أو الإضافة على معنى في أي وهو شديد الخصام في الخصام أي في حال الخصام ، وقال بعضهم يقدر مبتدأ محذوف بعد وَهُوَ تقديره : وهو خصامه ألد الخصام وهذا التقدير لا يصح لأن الخصام لا يوصف بالألد فتعيّن أن يؤوّل بأنه جعل بمنزلة الخصم وحينئذ فالتأويل مع عدم التقدير أولى ، وقيل